روايات وقصص

جوزى حكايات رومانى مكرم 1

* “يا شيخ عبد التواب والمصحف احنا مش عايزين حاجة! تعالي خدي نصيبهم، تعالوا خدو الشقة والبيت كله بس خلوا صفاء تدعي لنا وتسامحنا! جابر اتجلط وأحمد ابني بيشوف خيالات!”

الشيخ رد ببرودة تتعب القلب:

مقالات ذات صلة

* “التوبة ليها أصول يا سعاد. ومش كل اللي انكسر بيتصلح بكلام. صفاء حلتكم لله، وحق اليتامى رب العرش هو اللي بيتولاه. احنا مش هنرفع عليكم قضايا دلوقتي.. احنا هنسيبكم للي أعلى مننا ومنكم.”

وقفل الخط في وشي.

الدنيا اسودت في وشي أكتر. دخلت على جابر ولقيته بيحاول يقوم من السرير، وشه حمر وجسمه بيتفض.

* “مين.. مين كان بيكلمك يا سعاد؟”

* ” ده عم صفاء يا جابر.. بيقولوا مش هيسيبوا حقهم، وصفاء حلتنا لله..”

جابر صرخ بصوت مكتوم وبدأ يضرب على صدره بإيده السليمة:

* “ضيعتينا يا سعاد! ضيعتي البيت وعيالي عشان طمعك! البيت ده مبقاش بتاعنا.. البيت ده بقيت مسكون بالذنب!”

في نفس اليوم بالليل، الحالة اتطورت لأصعب من كده.

أحمد ابني الصغير رفض ياكل، وبقى يقعد في زاوية الأوضة يكلم نفسه. ولما أقرب منه، يبصلي بعيون فاضية ويقولي: “عمو حسين بيسأل عنك يا ماما.. بيقولك الفلوس اللي أخدتيها فين؟”

بدأت أفتش في البيت زي المجنونة عن الفلوس اللي أخدناها أو النسبة اللي جابر فرضها على صفاء. الفلوس كانت محطوطة في الدولاب جوة شنطة سودة. فتحت الدولاب وجبت الشنطة.. وفتحتها عشان أعدها عشان أخدها وأجري بيها على بيت أهل صفاء في البلد.

أول ما فتحت الشنطة، اتجمدت في مكاني.

الفلوس.. الورق النقدي كله.. كان متغطي بقع سوداء زي الهباب! ورائحتها كانت طالعة زي ريحة الحريق اللي سمعناها بالليل! مسكت ورقة منها بكت أيدي بالأسود، وكأن النار أكلتها من غير ما تحرقها!

صرخت بطول صوتي، الشنطة وقعت من إيدي على الأرض. الفلوس اتطيرت في الصالة، وكل ورقة بتلمس الأرض كانت بتسيب بقعة سوداء.

جابر خرج يزحف من الأوضة على إيد واحدة ورجل واحدة، ولما شاف الفلوس على الأرض بالمنظر ده، قعد يبكي زي العيل الصغير ويقول:

* “مال اليتيم أكلنا يا سعاد.. مال اليتيم أكلنا وخرّب بيتنا!”

وفجأة، الباب الخارجي للبيت بدأ يتخبط عليه بعنف شديد. خبط مش خبط بشر.. خبط متواصل وقوي كأن حد ماسك مرزبة وبيضرب في الخشب.

جريت على الباب، وبصيت من العين السحرية.. ما كانش فيه حد واقف على السلم! السلم كان فاضي تماماً، بس الخبط كان شغال وبيزيد، والصوت طالع من الخشب نفسه!

جابر زحف لحد ما وصل جن البي، ومسك في رجلي وهو بيبكي:

* “افتحي يا سعاد.. افتحي يمكن حد يجي ينقذنا..”

فتحت الباب بالبطيء، والهواء البارد دخل الشقة فجأة وطفى كل اللمبات. وفي الظلام، شفناه واقف على السلم.. مش خيال، ولا طيف.. ده كان شيخ كبير من أهالي الحارة، الحاج مرسي، راجل طيب وعطوف وكان صديق أبوه حسين وجابر.

الحاج مرسي بص لينا ووجهه مليان أسى وحزن، وبص لجابر المرمي على الأرض وقال:

* “عملت إيه يا جابر؟ الحارة كلها زعلانة منك.. الناس برة بتتكلم عن اللي عملته مع صفاء وولاد أخوك.. بقى تجيب بلطجية لأرملة أخوك؟ بقى تطرد أيتام حسين من البيت اللي أكلتم فيه عيش وملح مع بعض؟”

جابر رفع رأسه يبكي:

* “حقك عليا يا حاج مرسي.. الحقني يا حاج.. البيت مش مظبوط، وعيالي بيروحوا مني!”

الحاج مرسي هز رأسه بأسى وقال:

* “البيت مش مظبوط عشان أنتم أدخلتم فيه الظلم. الظلم ظلمات يوم القيامة يا جابر. والشر اللي زرعته بشرتك بسعاد هتحصدوه أنت وهي.. صفاء مشيت، بس حقها ما مشيش. والبيت ده مش يهدأ إلا لما الحق يرجع لأصحابه بالكامل.. وتستسمحوا المظلوم ورأسكم في التراب.”

الحاج مرسي لف وضهره لينا ونزل السلم، وسابنا في الظلمة والكسرة.

قعدت على الأرض جنب جابر، والشنطة السوداء والفلوس المهببة حوالينا. أحمد ابني خرج من الأوضة، وقف بص علينا ببرود وقال كلام نزل عليا زي الصاعقة:

* “ماما.. عمو حسين بيقولك الشقة الفوقانية مش كفاية.. هو جاي ياخد البيت كله.”

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى