
تاني يوم الصبح، الساعة تسعة بالظبط، كنت قاعدة في مكتب الاستاذ “مصطفى العفيفي”، محامي كبير ومعروف في قضايا الأموال والأحوال الشخصية، ورجل عصامي فاهم الدماغ اللي زي إبراهيم.
حطيت قدامه أوراقي كلها:
-
حكايات اسما السيد 2منذ 46 دقيقة
-
حكايات منى السيد 2منذ يومين
-
حكايات منى السيد1منذ يومين
-
مدرسة حكايات رومانى مكرم 2منذ يومين
دفتر التحويلات البنكية كامل من إمارات إكسبريس وبنك دبي الوطني لحساب إبراهيم الزيني، مسجل فيه كل شهرياً مبلغ لا يقل عن 15 إلى 20 ألف درهم.
رسائل الواتساب المطبوعة اللي فيها كلامه صريح: “بعتيلي كام الشهر ده؟” .. “جبت الأرض وسجلتها باسمك زي ما اتفقنا” .. “العمارة فاضلها السقف وأصورهالك”.
وتسجيلات صوتية بصوته وهو بيطلب فلوس العمارة وفلوس العربية.
الأستاذ مصطفى قعد يقرا الأوراق بنظارة القراءة، ويبتسم ابتسامة هادية، وبعدين حط القلم على الطاولة وبصلي:
* “يا مدام شيماء.. القوانين ناشفة، والراجل ده كان خبيث.. كتب العمارة باسمه والعربية باسمه في الشهر العقاري، يعني بالورق الرسمي هو المالك. بس هو وقع في غلطة قاتلة الغبي بيقع فيها لما يعميه الطمع”.
قعدت على طرف الكرسي وقلت بلهفة: “غلطة إيه يا أستاذ؟”
* “أولاً: التحويلات البنكية اللي جاية من الإمارات مكتوب في سبب التحويل في معظم الوصلات: (لشراء عقار وتجهيز منزل الزوجية)، يعني الفلوس دي مش هبة ولا هدية. ثانياً: الرسائل والتسجيلات بتثبت إن فيه عقد صوراني وعلاقة أمانة وإنه كان وكيل عنك في الشراء. ده غير إننا هنرفع قضية (إثبات ملكية وبطلان تصرف)، وقضية (خيانة أمانة)، وقضية (طاعة ونفقة) عشان نكتفه من كل اتجاه. بس أهم خطوة هنعملها بكرة الصبح.. (التحفظ والمنع من التصرف)”.
خرجت من عند المحامي وأنا حاسة إن فيه أمل، بس النار اللي جوايا مكنتش هتطفي بالقضايا بس.. القضايا بتاخد وقت، وأنا عاوزة إبراهيم يحس بركبته بتتخبط في بعضها من دلوقتي.
بعد يومين، إبراهيم كان قاعد في الكافيه الشهير في منطقتنا، لابس قميصه الجديد، ومشغّل العربية الزيرو جنب الكافيه، بيتباهى بيها قدام أصحابه وبيحكي إنه بقى راجل أعمال ومقاول كبير.
في اللحظة دي، نزلت أنا وأخويا أحمد ومعانا اثنين محضرين من المحكمة، ومعانا أمناء شرطة لتنفيذ قرار “التحفظ المباشر والإعلان الرسمي”.
دخل المحضر الكافيه ونادى بصوت عالي: “السيد إبراهيم عبد الحميد الزيني؟”
إبراهيم قام يتنطط بكبرياء: “أيوة أنا.. خير يا باشا؟”
المحضر طلع العريضة ورماها قدامه على الطاولة: “أنت مطلوب رسمياً في نيابة الشؤون المالية وغسل الأموال بطلب تقديم أصول المستندات اللي تثبت مصدر ثروتك والعمارة المكتوبة باسمك بناءً على البلاغ المقدم من المدام شيماء، ومعاك استدعاء لجلسة حظر تصرف في العقار رقم 42 والعربية اللوجان الزيرو لحين البت في قضية النصب وخيانة الأمانة رقم 4580”.
وش إبراهيم اتغير.. الضحكة اختفت، وبصلي وأنا واقفة على باب الكافيه، لابسة النظارة السودا ولابسة أشيك ما عندي، وباصة له بنظرة ثبات وثقة تقتله.
جري عليا في الشارع وهو بيكلمني بصوت واطي ومذعور:
* “إيه اللي بتعمليه ده يا شيماء؟! أنتِ تجننتي؟ عاوزة تفضحيني قدام الناس والمنطقة؟”
وقفت بثبات وحطيت إيدي في جيبي وقلت له بصوت هادي جداً، يسمعه كل اللي واقفين:
* “الفضيحة دي أنت اللي كتبتها بإيدك يا إبراهيم لما خنت الأمانة. الشقة اللي قفلت بابها في وشي، والعمارة اللي فرحان بيها، والعربية اللي بتركب بيها مراتك الجديدة.. كل دول مدفوع تمنهم من عرق جبيني. والورق اللي معاك في الشهر العقاري حبر على ورق، وهتشوف المحاكم هتعمل فيك إيه”.
إبراهيم زعق وبدأ يهدد: “ورق إيه وطين إيه! الفلوس دي أنتِ كنتِ بتبعتيهالي بعطفك، وأنا راجل البيت والتراخيص باسمي! مش ه تطالي مني جنيه واحد، والبيت ده بيتي وبيت ابني اللي جاي!”
في اللحظة دي خرجت بوسي مراته من العمارة على صوت الزعيق، نازلة تجري بقميصها ومكياجها الصارخ: “في إيه يا إبراهيم؟ المدرسّة دي لسة بتطاردك؟ ما تمشيها يا جدع أنت!”
لفيت ليها وبصيت لها من فوق لتحت وابتسمت ابتسامة استهزاء:
* “يا حبيبتي وفّري صحتك عشان الحمل.. العمارة دي عليا حظر تصرف من النهاردة، يعني لو إبراهيم فكر يفكر يبيع شقة منها عشان يصرف عليكِ وعلى ولادتك، هيتسجن بتهمة التصرف في أموال متنازع عليها. يعني الشقة اللي أنتِ قاعدة فيها دي ممكن تتشمع بالشيء الأحمر في أي لحظة.. قولي لجوزك بقى وريني هيصرف عليكِ منين لما البنك يجمد حسابه!”
بوسي بصت لإبراهيم بذهول وصدمة: “كلام إيه ده يا إبراهيم؟! مش قلت لي العمارة ملكك خالص ومفيش عليها مشاكل؟!”
إبراهيم اتلخبط وبدأ يتلعثم: “سيبك منها دي بتخوّفك! دي أوهام!”
بس الأوهام بدأت تتحول لحقيقة. خلال أسبوع واحد، الأستاذ مصطفى المحامي قدر يجيب أمر بمنع التعامل على العمارة والعربية، والبنوك جمدت الحساب المشترك لحد ما النيابة تفحص التحويلات اللي جاية من الإمارات.
إبراهيم بقى زي المجنون.. المقاولين اللي بيشطبوا في العمارة بدأوا يطالبوه بفلوسهم عشان يكملوا شغل، وهو مش عارف يسحب جنيه واحد من البنك لأن حسابه اتقفل بناءً على العريضة. والشركات اللي كان متفق معاها على توريد سيراميك ورخام بدأت تبعتله إنذارات دفع.
في يوم، كنت قاعدة في البيت، جالي تليفون من رقم غريب.. فتحت، لقيت صوت إبراهيم، بس المرة دي مكنش الصوت البجح بتاع السلم.. كان صوت مكسور، خايف، وفيه رعشة:
* “شيماء.. أنا إبراهيم.. ينفع أقبلك نص ساعة نتكلم فيها بعيد عن المحاكم والمحاميين؟”
قلت له بنبرة ثلجية: “نتكلم؟ نتكلم في إيه يا إبراهيم؟ مش أنت قلت لي مالكيش ولا طوبة ولا مسمار وركبتني السلم؟”
* “أنا غلطت يا شيماء.. الشيطان غواني، وبوسي وأهلها ضغطوا عليا وعشموني.. أنا مستعد أكتب لك نص العمارة ونرجع زي الأول، بس شيلي البلاغات دي البنك قفل حسابي والمقاولين مهدديني بالسجن!”
ضحكت ضحكة هادية وصلت له عبر السماعة، ضحكة حسسَته بأد إيه هو بقى صغير:
* “نص العمارة؟ أنت فاكرني بساومك يا إبراهيم؟ العمارة دي كلها بتاعتي.. شقايا كله. والعربية بتاعتي.. وأنت مالكش عندي غير الورقة اللي بتثبت إنك كنت مجرد وكيل خاين للأمانة. والصلح؟ الصلح ده لما تكون راجل وصنت البيت.. إنما أنت بعتني بأول قرشين مسكتهم في إيدك”.
* “شيماء ارحميني! بوسي عاوزة تسيب البيت وتروح لأهلها عشان الفلوس اتقطعت، والناس في المنطقة بقوا يبصوا لي على إني حرامي وأكل حق مراته!”
* “أحسن.. خليهم يعرفوا حقيقتك. ده أول كاس يا إبراهيم.. واللسه الجاي أحلى. اغلق الخط في وشك زي ما قفلت الباب في وشي”.
قفلت الخط وسندت ضهري لورا. حسيت لأول مرة من أربع سنين إن صدري بيتنفس هواء نظيف. الغربة أخدت من صحتي وشبابي، بس علمتني إن الحق مبيضيعش طالما وراه صاحب ما بيخافش.
بعد أسبوعين، كانت أول جلسة في قضية إثبات الملكية وحظر التصرف النهائي. دخلت القاعة وأنا ماسكة ملف أوراقي في إيدي، وأحمد أخويا جنبي، والأستاذ مصطفى جاهز بالمذكرات.
إبراهيم كان قاعد في آخر القاعة، هدومه مش هي هي اللي كان لابسها، وشه شاحن، ودقنه خفيفة كأنه مانامش بقاله أيام.. وبوسي مكنتش جنبه، سابته ورجعت بيت أهلها بعد ما عرفت إن الفلوس طارت وإن الشقة متهددة بالصادرة.
أول ما القاضي نادى على القضية: “قضية رقم 4580.. شيماء ضد إبراهيم”، وقفت قدام منصة القضاء، وبصيت للقاضي بثبات، وأنا عارفة إن ده مش النهاية.. دي مجرد خطوة في طريق طويل هسحب فيه منه كل حجر بنيته بعرقي، لحد ما يرجع زي ما بدأ.. ملهوش غير هدومه اللي عليه.
القاضي بص في الأوراق، وبعدين بص لإبراهيم وقال بصوت جهوري هز القاعة: “أين المتهم والأوراق الدالة على مصدر أموال العقار؟”
إبراهيم قام وقف ورجليه بتخبط في بعضها، ومش عارف ينطق كلمة واحدة.. وهنا عرفت إن حق السنين اللي فاتت بدأ يرجع، طوبة طوبة.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”





