عام

حماتي كانت بتعمل حركة غريبة2

حماتي ردت بسرعة وصوتها علي:

ـ بيتبلوا عليّ يا أحمد! عاوزين يقطعوا العشم بينك وبين أخوك! هي مراته دي اللي مش حابانا، عاوزة تستفرد بيه وبفلوسه وخايفة على القرشين اللي بيدخلوا البيت!

مقالات ذات صلة

جوزي دخل جوه الصالة، وجاب كراسة صغيرة كان بيسجل فيها كل مصاريف البيت والخزين اللي كان بيبعته لأمه على مدار السنتين اللي فاتوا. فتح الكراسة وحطها في إيد أخوه.

ـ اتفضل يا أحمد، اقرأ. دي الفواتير وده الخزين اللي كان بيدخل البيت تحت بطلعه من جيبي. أنا عمري ما استخسرت فيك ولا في عيالك، أنت أخويا وشيلي من شيلك. بس لما أكون ببعت أكل يكفي عيلتين، وأجي أقعد على السفرة ألقى أمي حاطالي طبق رز صغير وحتة لحمة وتقولي “الأكل غالي والبركة قلة”، وأول ما ألف وشي تطلع المستخبى كله لمرتك وعيالك… يبقى ده اسمه إيه؟ ده اسمه عدل ولا استغفال؟

أحمد مسك الكراسة وبدأ يقلب فيها، ووشه يبدأ يتغير. الأرقام والمبالغ اللي مكتوبة كانت كبيرة جداً، أرقام تأكل عيلة كاملة بمستويات ممتازة، في حين إنه هو شخصياً كان بيشوف أمه دايماً تشتكي له إن محمود مش بيديها غير القرشين اللي بالعافية!

جوزي كمل كلامه وبص لأخوه بجدية:

ـ أنا مش زعلان منك يا أحمد، لأنك كنت مخدوع زيي. أمي كانت بتلعب بينا إحنا الاتنين. بتفهمك إني أنا البخيل اللي مابديهاش، وبتفهمك إنها هي اللي بتعطف على عيالك من معاها، وفي نفس الوقت كانت بتفهمني إن الأكل مخلص وإن البيت فاضي! هي كانت بتخلق بينا كره وحقد من غير ما نحس!

حماتي لما لقيت الورق والمستندات كشفت الحقيقة قدام ابنها الكبير، وقفت من نرفزتها وضربت بإيدها على الترابيزة:

ـ ورق إيه وحسابات إيه! أنت بتحاسب أمك بالورقة والقلم؟ أنتوا كبرتوا عليّ خلاص؟ أنتوا نسيتوا أنا تعبت فيكم قد إيه؟

أحمد بص لأمه بنظرة كلها حيرة وصدمة، وقال لها بصوت واطي:

ـ يا أمي… هو محمود فعلاً كان بيبعت كل الخزين ده؟ أنتِ كنتِ بتقوليلي إنك بتشتري الأكل لعيالي من جمعيات بتدخليها، وإن محمود يدوب بيكفّي نفسه!

حماتي ارتبكت وبصت للناحية التانية:

ـ وأنا يعني كنت هوديه فين؟ ما كله ليكم ولعيالكم! أنت ظروفك على قدك وهو ربنا موسع عليه، كنت عاوزني أعمل إيه؟ أفرّق بينكم؟

أحمد هز رأسه بأسف وقال:

ـ تفرقي بيننا؟ أنتِ كده اللي فرقتي يا أمي! أنتِ خليتيني أحس إني شحات باكل من عطاياكي، وخليتي أخويا يشوفني أنا وعيالي عالة عليه وبناكل أكله من ورا ضهره! أنتِ بدل ما تعدلي بيننا، خليتينا نكره بعض ونشك في بعض!

الموقف كان صعب جداً. الصدمة على وش أحمد كانت مش أقل من صدمة جوزي أول أمس. التفرقة اللي كانت حماتي بتعملها تحت مسمى “الحنية” و”المساعدة”، اتضحت إنها كانت مجرد حب سيطرة ورغبة في إنها تفضل هي المحركة لكل حاجة في البيت، وتخلي الجميع محتاجين لها ودايريين في فلكها.

جوزي قرب من أخوه ومسك كتفه:

ـ أحمد… أنا عمري ما كرهتك ولا استخسرت فيك حاجة، ولا عمري هقفل بابي في وش عيالك. بس لازم كل حاجة تمشي بالنور والعدل. من النهارده، الأكل اللي هيجي هيجي بعلم الكل، واللي هساعدك بيه هيكون بيني وبينك من غير لَف ودوران، عشان محدش يحس إنه مظلوم ولا مغفول.

أحمد بص لجوزي، وعينيه دمعت، وحضن أخوه بحرارة بعد سنين من الجفاء اللي كانت حماتي بتبنيه بينهم بذكاء.

لكن حماتي، بدل ما تحس بالذنب أو تعتذر، بصت للاتنين بغيظ شديد. حست إن اللعبة اللي كانت بتديرها لسنين اتفككت في لحظة، وإن ولادها الاتنين اتفقوا عليها وخرجوا عن طوعها.

بصتلي أنا ونظرتها كانت مليانة غل، وقالت بصوت جاف وهادي، بس يخوف:

ـ ماشي يا محمود… ماشي يا أحمد. افتكروا اليوم ده كويس. افتكروا إنكم اتجمعتوا عليّ عشان حتة أكل وورقتين مكتوبين. والله ما هعديهالكم، وهتشوفوا أمكم دي تقدر تعمل إيه لما تتحط في الدماغ!

ولفت وشها وخرجت من الشقة ونزلت، وسابت الباب مفتوح وراها، وهي بتخطط للخطوة الجاية اللي هتكسر بيها اتفاق الأخوين وتخليهم يرجعوا يرجولها تاني!

مرت أيام والبيت تحت حالة من الهدوء المريب. حماتي كانت نزلَت  وما بقتش تطلع فوق نهائي، لكن نظراتها والتجاهل التام لما نتصادف على السلم كان بيأكد إن السكون ده وراه عاصفة. هي مش من النوع اللي يستسلم، ولا من الستات اللي بتقبل تطلع مكسورة قدام ولادها وعيلتها.

جوزي وأخوه أحمد قعدوا مع بعض أكتر من مرة، وحاولوا ينظموا أمورهم بشفافية كاملة. محمود اتفق مع أحمد إنه يخصص له مبلغ شهري ثابت ودعم مباشر لعياله من غير ما حماتي تتدخل، عشان يضمن إن المساعدة توصل لأصحابها بحق وحقيق من غير ما حد يتحرم أو يتظلم. العلاقة بين الأخوين بدأت تطرى ويرجع لها الود اللي غاب بسبب  حماتي وتوجيهاتها.

لكن الأحداث أخدت مسار ثاني خالص لما بدأ القرايب والكبار في العيلة يتصلوا بـ محمود.

اتضح إن حماتي ما قعدتش ساكتة. استخدمت أسلوبها القديم في التظاهر بالمرض والمظلومية، وجابت أعمام جوزي وخالته، وحكتلهم قصة مأساوية من خيالها! قالتلهم إن محمود ومراته رموا أكلها في الشارع، وإنهم منعوا عنها الأكل والمصروف، وحرموا عيال أخوه الغلابة، ومحمود هددها إنه يطردها من الشقة!

في يوم الجمعة بعد الصلاة، تفاجأنا بضربات متزنة على الباب. فتح جوزي، ولقى عمّه الكبير “حاج متولي” وعمه الصغير وجايين وراهم حماتي وهي بتمثل الضعف وبتستند على خالته، وحاطة شال على رأسها ووشها باين عليه التعب المصنوع.

دخلوا الصالة، وملامح عمه متولي كانت جادة جدًا وجاية بصفتها “جلسة حق” لتأديب الابن العاق.

قعد عمهم بصمت، وبعدين بص لـ محمود وقال بصوت حاسم:

ـ جرى إيه يا محمود؟ بقى هي دي أصول الأدب والتربية اللي تربيت عليها؟ تكسر كلمة أمك وتهينها عشان شوية خزين وأكل؟ وتسمح لمرتك تقف تتفرج عليها وهي بتتبهدل؟

محمود بص لعمه بهدوء شديد، ورغم الضغط النفسي اللي كان فيه، حافظ على وقاره ورصانته. وقال:

ـ يا عمي متولي، البيت بيتكم، وأمي فوق رأسي من فوق. بس أنت سمعت منها، وما سمعتش مني ولا من أحمد.

حماتي اتكلمت بسرعة وهي بتعيط وتشهق:

ـ هيسمعوا إيه يا محمود؟ هيسمعوا إنك جيبتلي الورق والحسابات تحاسب أمك على اللقمة اللي أكلتها؟ ولا إنك طردت عيال أخوك ومنعت عنهم اللقمة؟

هنا دخل أحمد -أخو جوزي- الشقة، بعد ما عرف إن أعمامه كبار العيلة طالعين فوق. وقفل الباب وراه وقال بصوت قوي سمع الكل:

ـ الكلام ده ما حصلش يا عمي!

العيلة كلها بصت لـ أحمد باستغراب. عمهم متولي قال:

ـ أنت بتقول إيه يا أحمد؟ دي أمك بتقول إن محمود حارَمكم واستقوى بفلوسه عليكم!

أحمد قرب وقعد جنب أخوه، وبص لأمه بعتاب شديد وقال:

ـ أمي بتقول نص الحقيقة اللي هي عاوزاكم تعرفوها بس. محمود ما حرمش عيالي، محمود كان بيبعت أكل للبيت يكفي عيلتين، وأمي كانت بتخبيه عنه وعن مراته، وبتخليه يأكل أكل قليل وتقوله الأكل خلص، وتستناه ينزل عشان تطلع الأكل لعيالي وتفهمني إنها جايباه من ورا محمود أو بشطارتها! أمي لعبت بينا إحنا الاتنين، وحرمت محمود ومراته في بيتهم، وعشتني أنا في وهم إني شحات باكل من عطاياها!

العم الكبير اتصدم وبص لـ حماتي اللي ارتبكت ولونها اتغير، وقالت بتوتر:

ـ أنت بتقول إيه يا أحمد؟ أنت بتبيع أمك عشان أخوك؟

أحمد رد بثبات:

ـ أنا ما ببيعش أمي يا أمي، بس أنا مش هقبل أكون الستار اللي بتداري بيه كدبك وتفرقتك بيننا! محمود شايل البيت ده بفلوسه وخزينه، وأنتِ بوظتي النفوس بيننا وخليتينا نكره بعض. ولما كشفنا الحقيقة، جاية تجمعي العيلة عشان تضغطي عليه وتخليه يرجع يتظلم تاني!

عمهم متولي بص لـ حماتي بغضب مكتوم، وبعدين بص لـ محمود وقال:

ـ الكلام ده بجد يا محمود؟

محمود قام ودخل جاب كشوفات الفواتير اللي بتثبت الخزين والفلوس اللي كانت بتنزل شهرياً، وحطها قدام عمهم. وقال:

ـ يا عمي، أمي على رأسي، ومصروفها ودواها وحقها بيبعتلها لحد عندها. بس إني أكون مغفول في بيتي، وأمراتي تتظلم وتاكل اللقمة بحسرتها وهي اللي بتساعد في البيت، وأمي بتاخد أكلنا وتخبيه بأساليب لا يرضاها ربنا ولا دين… فده اللي أنا وقفت عنده. أنا ما طردتهاش، ولا قطعت عنها، أنا بس حطيت حد للاستغفال.

خالته اللي كانت مسنداها سابت إيدها بالراحة وبصتلها بعتاب:

ـ كدة يا أختي؟ تدخلينا في وسطكم وتعملي مشكلة وتظلمي ولدك اللي شايلكم عشان حيل وألعاب ملهاش لازمة؟

حماتي لما لقيت حتى أختها وأخوات جوزها المرحوم فاهمين الحقيقة، وعرفت إن الورق وشهادة ابنها أحمد قطعت عليها كل سبل التمثيل، قامت وقفت فجأة وبطلت عياط تماماً! اتغيرت ملامح وشها من الاستضعاف للجمود والقسوة، وقالت بصوت عالي:

ـ ماشي! بقيتوا كلكم عليّ؟ بقى الولاد اللي طفحت الدم عشان أربيهم، يقفوا قدام أعمامهم ويطلعوني ظالمة وكدابة؟

بصت لـ محمود وهي بتشاور بإيدها وتهدده:

ـ أنت فاكر إنك كسبت يا محمود؟ فاكر إن لما أخوك يقف جنبك والعيلة تعرف، إنك كده ارتحت؟ والله لو ما رجعت كل حاجة زي ما كانت، وأخدت المصروف والخزين تحت إيدي أنا اللي أديره زي ما أنا عاوزة، لا أوريك أيام سودا أنت ومراتك دي! وحياتك عندي لا أخليك تبوس إيدي عشان أرضى عنك ومفيش راحة هتدخل البيت ده تاني!

عمهم متولي وقف وضرب عصايته في الأرض وقال بغضب:

ـ استهدي بالله يا أم أحمد! أنتِ كده بتفتري على ولدك وعلى الحق! الولد ما قصرش معاكي، والعدل ربنا أمر بيه!

لكن هي ما سمعتش لحد، سابتهم ونزلت جري على السلم وهي بتتوعد  صريح وواضح للكل، تهديد يوضح إنها ناويت تعمل حاجة أشد وأخطر بكتير عشان تكسر محمود  البيت فوق دماغه ودماغ مراته!

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى