عام

حماتي كانت بتعمل حركة غريبة2

خرج الأعمام والخالة من البيت ووجوههم مكفهرة من شدة الذهول من موقف حماتي وإصرارها على الباطل. حاول العم متولي يهدي محمود ويطبطب على كتفه، وأكد له إن الحق معاه وإن صلة الرحم مش معناها القبول بالظلم واستغفال العقول، واستأذنوا ونزلوا.

مرت ثلاثة أيام، والهدوء اللي ساد الشقة كان يسبق العاصفة بكل معنى الكلمة. وفي اليوم الرابع، وبينما محمود في شغله، سمعت صوت حركة وشوشة غير عادية في مدخل العمارة. طلعت بصيت من بلكونة الصالة، وكانت الصدمة!

مقالات ذات صلة

حماتي جايبة نجار وعمال، وبدأوا يغيروا كالون باب الشقة اللي تحت، وبينزلوا حاجتها وشنط هدومها في عربية نص نقل واقفة تحت العمارة! ومش بس كده، كانت جايبة اتنين من جيران المنطقة المعروفين بلسانهم الطويل، وقاعدة على كرسي في الشارع بتصرخ وتبكي وتلطم على خدودها:

ـ الحقوني يا ناس! ابني العاق ومراته طردوني من بيتي في رمشة عين! رموا هدومي وحاجتي واستولوا على الشقة والبيت اللي بنيته بعرقي! يا ناس بقى الشبعان يطرد أمه عشان خاطر مراته؟

الشارع كله اتجمع، والأصوات بدأت تعلى، والتجمهر بقى ملفت للأنظر. كلمت محمود بسرعة وأنا بترعش، وقلتله على اللي بيحصل. محمود ساب شغله وجالنا طيران، وفي خلال ربع ساعة كان في الشارع.

أول ما محمود نزل من العربية، حماتي زادت في الصراخ وبدأت تقول للناس:

ـ أهو جه أهو! جه الشديد اللي بيطرد أمه! وريني هتعمل إيه تاني يا محمود؟ هتضربني قدام الناس؟

محمود وقف بثبات يحسد عليه، رغم المرارة اللي كانت في عينيه. ما زعقش، وما جادلهاش، ولا اتخانق مع الجيران اللي كانوا واقفين متأثرين بتمثيلها. بص للنجار والعمال وقال بصرامة:

ـ وقفوا شغل فوراً، وأي حد هيلمس باب الشقة أو يطلع حاجة برة العمارة هتحمل معاه بلاغ رسمي بالتعدي.

العمال خافوا ووقفوا على جنب. وهنا محمود طلع تليفونه، وطلب عمّه متولي وأخوه أحمد، وشغل الميكروفون (السبيكر) قدام كل أهل المنطقة والجيران اللي واقفين يتفرجوا.

قال لعمه بصوت عالي وواضح سمع الكل:

ـ يا عمي متولي… أمي قاعدة في الشارع وجايبة ناس وعمال وبتقول للناس كلها إني طردتها ورميت هدومها برة البيت. أنا بطلب منك تيجي فوراً أنت وكبار المنطقة، وتجيبوا معاكم شريط التسجيل والورق اللي مضيتوا عليه.

الناس بدأت تتوشوش وتتساءل: “تسجيل إيه ورسائل إيه؟”.

في خلال دقائق، وصل العم متولي ومعه اثنان من كبار المنطقة المشهود لهم بالحق. والعم متولي كان معاه كيس أسود فيه الفواتير، والأهم من كده: تليفونه.

وقف العم متولي قدام الجيران والناس الملمومة، وقال بصوت جهوري:

ـ يا جماعة الخير… الست دي أمنا كلنا، بس الحق أحق أن يُتبع. محمود ما طردش أمه، ولا رمى حاجتها. الست دي هي اللي استأجرت العمال من ورا ابنها عشان تعمل الشوشرة دي في الشارع وتضغط عليه.

حماتي اتلخبطت وحاولت تقاطعه:

ـ أنت جاي تقف معاه عليّ يا متولي؟

العم متولي ما ردش عليها، وفتح تليفونه وتشغيل فويس (تسجيل صوتي) كانت حماتي بعتاه لخالتهم بالليل بعد الجلسة الأخيرة، وصوتها كان واضح جداً وبدون أي تمثيل:

(التسجيل): “والله يا أختي لو ما رجع محمود يديني المصروف والخزين تحت إيدي أعطي اللي يعجبني وأحرم اللي يعجبني، لأفضحه في الشارع وأخليه أمشية وشه في الأرض قدام يسوى واللي ما يسواش! هعمل نفسي مطرودة وألم عليه المنطقة كلها وأخليهم يتفوا عليه، لحد ما يجي يترجاني عند رجلي عشان أرجع الشقة!”

الشارع كله سكت سكتة موتى! الصوت كان واضح  الصريح بالافتراء والتزوير كان ناطق.

الجيران اللي كانوا متأثرين بدموعها بصوا لبعض بصدمة وخزي، والستات اللي كانوا بيدافعوا عنها انسحبوا بالراحة ودخلوا بيوتهم. النجار والعمال أخدوا عدتهم وجريوا من المكان بعد ما فهموا اللعبة.

أحمد أخو جوزي قرب من أمه وبص لها بمنتهى الخيبة وقال:

ـ للدرجة دي يا أمي؟ عاوزة تفضحي ابنك اللي كان شايلنا كلنا في المنطقة؟ عشان مجرد إننا كشفنا الحقيقة وطلبنا العدل؟

حماتي وقفت مكانها، مش عارفة تنطق ولا تلاقي كدبة جديدة تداري بيها موقفها. الخطة الأخيرة اللي كانت فاكراها هتنزل محمود على ركبه، هي اللي كشفتها تماماً قدام الغريب قبل القريب، وقطعت آخر خيط من حيلها.

محمود قرب منها، وبص في عينيها بهدوء تام، وخالي تماماً من أي غضب، وقالها بصوت واطي سمعته هي وأحمد وعمه بس:

ـ أنا عمري ما طردتك ولا هطردك يا أمي… بيتك وشقتك مفتوحين ليكي، ومصروفك وأكلك ودواكي هيوصلولك لحد باب الشقة معززة مكرمة. بس من بكرة، أنا نقلت شغلي وعيشي. أنا ومراتي هنعزل في شقة ثانية بعيد عن هنا.

حماتي اتخضت وبصتله بذهول:

ـ هتسيب البيت وتغور؟

محمود هز رأسه وقال:

ـ هسيب البيت عشان أحمي بيتي ومراتي، وأحمي نفسي من إني أكرهك يا أمي. البُعد هو الحل الوحيد عشان أقدر أضل أبارِك وأسأل عليكي من غير ما أتدمر. أنتِ اخترتي السلطة والسيطرة على حساب العدل واللمة، وأنا اخترت راحة بالي وستْر بيتي.

وبالفعل، في خلال أسبوع واحد، كنا حزمنا شنطنا ونقلنا  جديدة هادية، بعيد عن القيل والقال والمشاكل.

أحمد اتكفل بإدارة شؤون البيت اللي تحت بالعدل، وبقى يصرف على بيته وبناته مباشرة، ويراعي أمه مع محمود. وحماتي فضلت في شقتها، محرومة من السلطة اللي كانت بتحبها، ومن القدرة على التلاعب بالنفوس، وعرفت إن الظلم والتفرقة ما بيبنوش بيت، وأن التمثيلية لما تنكشف… صاحبها بس هو اللي بيدفع الثمن في النهاية.

ومن يومها، عشنا في بيتنا الجديد بسلام، والأكل على السفرة بقى يتمتع بيه صاحبه براحة بال وبركة ما تنتهيش.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى