
لقيتها اتنرفزت وقالتلي:
— إنتِ عملتي إيه يا ؟! تخلعي دبلتك وترميها قدام الناس؟! هو إنتِ فاكرة الجواز لعبة؟!
بصتلها وقلت: — يعني يا ماما أنا اللي غلطانة؟!
قالت: — أمال مين؟! الراجل بيحسب فلوسه، وده حقه، وإنتِ المفروض تحتويه، مش تحرجيه وتكسري كلمته!
قلت لها وأنا بعيط: — يا ماما، أنا مش زعلانة عشان ماكلتش بازوكا، أنا زعلانة عشان حسيت إني مش مستاهلة حتى إنه يقعدني في مكان أرتاح فيه!
قالتلي: — وحياة ولادك، لو كل بنت فسخت خطوبتها عشان موقف زي ده، محدش هيتجوز! بكرة تتجوزيه وتعرفي إن الرجالة كلهم كده.
دخلت أوضتي وقفلت الباب، وفضلت أعيط لحد ما نمت من التعب.
بس اللي أنا مكنتش أعرفه، إن اللي حصل في الشارع ده كان مجرد بداية لحاجة أكبر بكتير.
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت موبايلي بيرن.
رقم غريب.
رديت وأنا صوتي لسه مبحوح من العياط:
— ألو، مين معايا؟
جالي صوت ست بتتكلم بهدوء غريب:
— إنتِ آية، خطيبة شريف؟
قلت: — أيوه، مين حضرتك؟
قالت: — أنا واحدة لو كنت مكانك، كنت حمدت ربنا إنك خلعتِ الدبلة قبل ما تدخلي بيته.
قلبي بدأ يدق بسرعة، وقلت: — إنتِ مين؟ وإنتِ تعرفي شريف منين؟
سكتت ثواني، وبعدين قالت جملة خلتني أقف من مكاني:
— شريف مش بخيل زي ما إنتِ فاكرة يا آية… شريف بيصرف فلوسه عادي جدًا، بس فيه سبب واحد مخليه يحرمك من كل حاجة، والسبب ده لازم تعرفيه قبل ما ترجعي الدبلة في إيدك!
صرخت فيها: — إنتِ بتقولي إيه؟! وإنتِ مين أصلًا؟!
قالت: — أنا هبعتلك عنوان، ولو عايزة تعرفي الحقيقة، تعالي لوحدك… ومن فضلك، متقوليش لشريف إنك كلمتيني.
وقبل ما أقدر أسألها أي سؤال تاني، قفلت السكة.
وبعد أقل من دقيقة، وصلتلي رسالة على الواتساب فيها عنوان، وتحت العنوان صورة لشريف واقف قدام محل دهب، وماسك في إيده علبة صغيرة…
والأغرب من الصورة، كان التاريخ المكتوب تحتها.
لأن التاريخ ده كان قبل ما شريف يتقدملي بأسبوع واحد بس!
بصيت على الصورة اللي في الموبايل وأنا مش مصدقة عيني. تاريخ الصورة كان فعلاً قبل ما شريف يتقدملي بأسبوع واحد بس. كنت واقفة قدام شاشه الموبايل، رجلي لسه وجعاني من مشوار امبارح، بس وجع قلبي كان أكبر بكتير.
يعني إيه؟ شريف مش بخيل؟ إمال الفلوس دي كلها بتروح فين؟
التفكير كان هيجنني. ماما كانت بره في المطبخ بتجهز الفطار، وأنا كنت قاعدة على السرير بفرك إيدي وبتنفس بصعوبة. بصيت للعنوان اللي الست بعتتهولي. كان في منطقة شعبية مش بعيدة عننا أوي، وفي مدينة نصر.
مسحت دموعي، وقررت إني لازم أروح. ما ينفعش أفضل عايشة في الحيرة دي، خصوصًا إن شكوك الدنيا كلها اتجمعت في دماغي مرة واحدة. لبست هدومي بسرعة، ونزلت من غير ما أقول لماما رايحة فين، كفاية كلام امبارح اللي نزل على قلبي زي السكينة.
ركبت الميكروباص – وبصراحة الجملة دي بقت تضحكني بس بوجع – ونزلت عند العنوان بالظبط. كانت عمارة قديمة شوية، والمدخل بتاعها مش مترتب. فضلت واقفة قدام باب الشقة اللي الست كتبتهولي في الرسالة، وقلبي بيدق بطريقة كأنها هتنط من صدري.
رفعت إيدي وخبّطت خبطات خفيفة.
بعد ثواني، الباب اتفتح، وطلعتلي ست في أواخر الثلاثينات، ملامحها هادية بس عيونها مليانة حزن وقهر. بصتلي من فوق لتحت، وقالت بصوت واطي:
— إنتِ آية؟
قلت بصوت متهدج: — أيوه، أنا آية. حضرتك مين بقى؟ وإيه حكاية الصورة دي؟
فتحت الباب على الآخر وقالت: — دخلي، اقعدي ارتاحي، وكل حاجة هتفهميها حالا.
دخلت الشقة، كانت شقة بسيطة جدًا، أثاثها قديم بس نظيف. قعدت على صالون صغير، وهي جابتلي كوباية مية. قعدت قصادي على كرسي، وبدأت تتكلم بصوت كله حرقة:
— أنا ميرفت… مراتي.
الكلمة نزلت على وداني زي الصاعقة. حسيت إن الأوضة بتلف بيّا، ووقفت مكاني وأنا بصرخ فيها:
— إنتي مجنونة؟! مراتي مين؟! شريف مش متجوز، شريف لسه شاب مخطوبلي أنا ومقدم في شركة كبيرة وليه مستقبله!
قالت ببرود مؤلم ودموعها نزلت: — قعدتي تحسبيه شاب لسه بيبني نفسه؟ شريف عنده ٣٢ سنة، متجوزني من خمس سنين، وعندي منه ولدين، الصغير عنده سنتين والكبير أربع سنين.
قعدت على الكرسي وأنا مش قادرة أستوعب. هزيت راسي بعنف وقلت: — مستحيل! شريف بخلان عليّ في كوباية عصير وقاعد يحسبلي الجنيه، هيتجوز إزاي؟ ومراتي إزاي وهو عايش في شقة أهله وبيقبض مرتب يادوب مكفيه؟
ميرفت ابتسحت ضحكة صفرة وقالت: — هو ده السر يا آية. شريف مش بخيل عليكي إنتي وبس… شريف بخيل على البيت كله، بس بخله ده له سبب تاني خالص. شريف بيجمع كل قرش بيقبضه، وكل مكافأة بتجيله، وكل حتة فلوس بيعرف يلمها… عشان يحطها في مكان تاني خالص!
قلت بصوت مرتعش: — فين؟
قالت وهي بتفتح درج الدولاب وتطلع ورق ودفاتر: — في بيت تاني.. وفي عروسة تانية!
قربت منها وعيني مفتوحة على آخرها. كملت ميرفت كلامها وهي بتفرز الورق:
— شريف بيقبض كويس جداً، وبيقعد يشتغل شغلانات تانية أونلاين وفي شركات بالليل. بس هو عنده هوس اسمه “جمع الفلوس”. من أول جوازنا وهو بيحرمنا من أبسط حقوقنا. العيال بيموتوا من العيا، ومب رضاش يجيب دواء كويس بحجة إن الدكتور بيبالغ. الأكل في البيت بينقط بالقطارة. وكنت دايماً فاكرة إنه ظروفه وحشة وغلبان، وكنت بصبر نفسي وبقول بكرة ربنا يفرجها. لحد ما من سنة تقريبًا، اكتشفت مصيبة.
سكتت لحظة تاخد نفسها، وكملت:
— لقيت في جيبه فاتورة محل دهب بمبلغ كبير أوي، بتاريخ قبل ما يتقدملي بأسبوع زي ما بعتلك في الصورة. فضلت وراه لحد ما عرفت الحقيقة المرعبة… شريف قرر يتجوز تاني! مش عشان بيحب الست التانية، ولا عشان ناقصه حاجة معايا.. لأ! شريف شاف إن الفلوس اللي بيكسبها كتيرة وممكن تخليه يتجوز واحدة تانية تساعده في تحويش الفلوس، أو لأن دماغه فيها تركيبة مرضية غريبة، بيحب يجمع ثروة ويستثمرها في الشقق والعقارات على حساب دموعنا وصحتنا.
بصيت لها وأنا حاسة كأن جبل وقع على دماغي. افتكرت كل كلمة قالها امبارح: “الواحد لما يتعود على التوفير”، “المظاهر ملهاش لازمة”، “البنت اللي بتعرف قيمة الفلوس”.
هو ماكنش بيعلمني الاقتصاد.. هو كان بيكشفلي طريقته في الحياة اللي هيعيشني فيها: حياة القهر والحرمان عشان سي السيد يجمع فلوس يحطها في البنوك أو العقارات وهو قاعد بيتفرج عليّ وأنا بموت من التعب!
قلت بصوت عالي ودموعي نازلة بغزارة: — بس إزاي اتقدملي وأهلي وافقوا عليه؟ أهلي شايفينه عريس لقطة!
ميرفت ردت بحسرة: — ما هو شريف بيمثل البساطة والهدوء والاحترام ببراعة! بيعرف يدخل البيوت ويقنع الأب والأم إنه الشاب الصالح المستهلك البسيط، وهو في الحقيقة بيعمل كده عشان يدور على الضحية الجديدة اللي هترضي بالذل والعيشة الناشفة، عشان يكمل بيها مشروعه في جمع الثروة على حساب أعصابها. الست اللي كانت قبلك فسخت خطوبتها معاه لنفس السبب، بس هو لف الحكاية وقال لأهلك إن هي اللي مادية ومش كويسة!
قعدت على الأرض من كتر ما رجلي مبقتش شيلاني. فجأة، باب الشقة اتفتح ودخل طفلين صغيرين شكلهم يعور القلب، هدومهم بسيطة أوي ووشوشهم باهتة. بصوا لي بخوف، وميرفت قامت جري حضنتهم وقالت لهم يدخلوا جوه.
بصتلي ميرفت وقالت بجدية وقوة:
— أنا جبتك هنا يا آية عشان أنقذك من المدفع اللي كنتِ هتدخليه برجليكي. أنا ضاع عمري مع بني آدم مريض بالبخل والاستغلال، وكنت خايفة تسكتي على طريقته وتتجوزيه وتندمي طول عمرك. إنتي لسه على البر، ودبلتك اللي رديتيها في وشه دي كانت أحسن حاجة عملتيها في حياتك.
في اللحظة دي، تليفوني رن في إيدي. بصيت في الشاشة، لقيت اسم “شريف” بيظهر قدامي!
عقلي كان بيلف، وميرفت بصت للتليفون وقالت بصوت حاسم:
— ردي عليه يا آية… وخليه يعرف إن اللعبة انتهت!




