
«بعد تلات شهور من موت أبويا، مرات أبوه ظهرت في المحكمة وهي لابسة عقد اللؤلؤ أبو 50 ألف دولار اللي كان بتاع أمي الله يرحمها.. ومحاميها صرخ بغرور: “الوصية واضحة، هي مش هتاخد مليم واحد!”.. الكل صفق وشمت فيا، والقاضي رفع المطرقة عشان يحكم بطردي.. بس الساعة عشرة بالظبط، فتحت ملفي وابتسمت بكل هدوء وقلت له: “نسيتوا حاجة مهمة.. أمي هي اللي كانت تملك 51% من أسهم الشركة”.. وساعتها القاعة كلها اتسمرت من الصدمة!»
«الوصية نهائية ولا رجعة فيها»، جملة قالها الأستاذ «فاروق»، محامي العيلة، بكل غرور قدام منصة القضاء. «وهي لا تستحق أي شيء على الإطلاق».
سيادة القاضي هز راسه بجدية.
وعلى الناحية التانية من القاعة، عيلتي بدأت تزقف!
زقفوا بجد..
تصفيق تشفي وسط هدوء قاعة المحكمة الفخمة في وسط البلد.
«عفاف»، مرات أبيا، حطت إيدها على بوقها بتعمل نفسها زعلانة وبتداري دمعة وهمية، بس أنا كنت شايفة كويس قوي ابتسامة الشماتة والسفالة من وراء صوابعها المرصعة بالماس.
أخويا من أبويا، «كريم»، ريح ضهره على دكة الخشب ومد إيده، وبص لي بنظرة تعالٍ كأنه مسح وجودي من الدنيا بإيديه. وعمتي مدت رقبتها وقالت بصوت واطي متعمد تسمعه لي: «أخيراً العدالة خدت مجراها»، وعليت صوتها عشان السم يوصل لوداني.
أنا فضلت واقفة مكانى قدام ترابيزة المدعي، حاضنة ملف جلد بني على صدري.
الدكك اللي ورايا كانت فاضية تماماً.
الحقيقة، مكنش فيه ولا بني آدم واحد واقف في ضهري طول عمري.
أبويا، «محمود الدمنهوري»، كان اسم كبير في سوق العقارات والفنادق في مصر، راجل أعمال مشهور ومحسب ومساهم في أعمال خيرية واسمه على مستشفيات ومعاهد.
بالنسبة لي.. هو مات من يوم ما دفنا أمي.
اتجوز بعدها بسرعة قذفة. رماني في أوضة الخدم اللي فوق السطوح. وسمح لعفاف إنها تناديني بـ «غلطة الماضي». وساب كريم يكسر دبابيس وصور أمي عشان يغيظني، وكان بيوافقهم بسكته لما العيلة كلها كانت تقاطعني لمجرد إني طلبت منه يبص لي في وشي مرة واحدة بـ حنية.
لما كملت تمانتاشر سنة، عفاف رمت لي شنطي على الباب وقالت لي إن العيلة مش هتساعدني لو فضلت متمسكة بـ «دلع البنات الفاضي».
دلع اللي كان مصاريف كليتي!
وتأمين صحي بسيط!
وأوضة عدلة مفيهاش ريحة رطوبة وكراتين قديمة.
مشيت من البيت ده بشنطتين هدوم، وبنيت لنفسي حياة محدش قدر يدوس عليها لسبب واحد: هما قرروا يقطعوا صلتي بيهم، وأنا دخلت مجال التحقيق المالي والمحاسبي الجنائي! بقيت شاطرة في تتبع الأموال المخفية، وكشف الثروات اللي متدارية في ملاجئ ضريبية، وفك التلاعبات اللي الحيتان الكبار بيعملوها في دفاترهم.
لحد ما أبويا .
وفجأة.. لقيت نفسي مجبرة أروح المحكمة.
مش عشان يعزوني أو يطبطبوا عليا.
عشان يضمنوا يطردوني من الميراث بشكل رسمي، قانوني، وعلني قدام الكل.
المحامي فاروق قعد ساعة بحالها يشرح إن أبويا كتب كل حاجة لعفاف وكريم: الفنادق، الأبراج، الأسهم، وحتى عقد اللؤلؤ الأصلي اللي كان لـ أمي، واللي عفاف كانت لبساه على رقبتها بكل بجاحة كأنه غنيمة




