عام

حكايات رومانى مكرم 2

أنا من ناحيتي، كملت حياتي في هدوء وصمت. بعت كل ما أملك وخصصت نصيبي من أي حاجة لخدمة دار أيتام وملاجئ، كنت بأكل وبكسي كل حزمة بنات ملهومش أهل، كل ما ألمس راس عيل يتيم أو صبية ملهاش ضهر، كنت ببتسم وبهمس في سري: “دي لحسابك يا منال.. لعل ربنا يخفف عني الذنب اللي شلته.”

في يوم، جالي خبر إن حماتي في أنفاسها الأخيرة وإن علاء بيموت من المرض والفقر، ورجليهم سحبتهم عشان يطلبوا المسامحة. رجعت للمكان اللي شهد على إنسانيتي وهي بتتذبح.

مقالات ذات صلة

دخلت الحوش، الريحة كانت ريحة تراب وندم. حماتي كانت نايمة على سرير قديم في طرف الصالة، عينيها كانت زجاجية وبترتعش، وأول ما شافتني، إيدها المرتعشة اترفت بالعافية وبصت لي بنظرة استعطاف ودمعة محبوسة، نفس النظرة اللي كانت منال بتبصها لنا وهي واقفة على الحوض بتنكسر.

قربت منها، وقعدت على الكرسي اللي جنبها، وقلت بصوت هادي ومجرد من أي كره:

* عايزه أسامحك يا حماتي؟ أسامحك على إيه ولا إيه؟ أسامحك على عمر بنت الناس اللي ضاع؟ ولا على قلبها اللي وقف من القهر؟ أنا سامحتك في حق نفسي.. بس حق منال مش معايا، حقها فوق عند اللي أعدل مني ومنك.

حماتي طلعت تنهيدة طويلة وموجوعة، وعينيها اتقفلت للمرة الأخيرة، راحت لربنا وهي شايلة حمولها.

علاء كان قاعد في زاوية الأوضة، جثة هامدة، وشه أصفر وعينيه مطفية. بص لي وقال بصوت مبحوح ومكسور:

* عملتي اللي في دماغك يا فايزة.. هديتي البيت، وشتتي العيلة، وخدتي حق منال مننا كلنا.

قمت وقفت، وبصيت له بثبات وقسوة يملأها الأسى:

* أنا مهدتش حاجة يا علاء.. أنت وأمك وأخواتك اللي هديتوا البيت يوم ما افتريتوا على واحدة ملهاش ضهر. أنت اللي بعت عرضك وصنت القهر، والذنب هو اللي هدم السقف فوق روسكم. ربنا ما بيسيبش مظلوم، والقهر اللي سقيتوه لمنال، شربتوه قطرة قطرة حتى الثمالة.

طلعت من البيت وأنا مش حاسة بخوف ولا ندم زي زمان. مشيت في الشارع والشمس كانت طالعة دافية، بصيت للسما ورفعت إيدي وقلت:

* يا رب.. أنا أدبت نفسي، ودفعت التمن من راحتي وصحتي وعمري، ورجعت حق الغلبانة للدنيا.. فاغفر لي واغفر لمنال، واجعل موتها درس لكل ظالم فاكر إن المظلوم مالوش ضهر.

الشباك الأزرق يفضل مقفول، والشقة الأرضية بقيت معلم يتسمع فيه صوت القرآن كل يوم، يفكر الشارع كله إن الظلم ظلمات، وإن الروح اللي بتروح مقهورة.. حتماً ولابُد بياخد حقها ربنا في الدنيا قبل الآخرة.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى