عام

حكايات رومانى مكرم 2

سحبت شنطتي وطلعت برة عتبة البيت، وسبتهم ينكلوا ببعض في الخرابة دي.. بس الحكاية لسة متقفلتش، لأن اللحظة الحاسمة في المحكمة كانت قربت، والنهاية الحقيقية لسة محتاجة ضربة قاضية.

خرجت من البيت وأنا شايلة شنطة هدومي في إيد، وشنطة المستندات والأوراق في الإيد التانية. سبت ورائي جدران كانت بتصرخ بالذنب، وعيلة كانت فاكرة إن القوة في الظلم والكثرة. سكنت في شقة إيجار صغيرة على قد حالي، بس لأول مرة من سنين أتنفس هواء مفيش فيه ريحة القهر والكسرة.

القضايا اللي رفعها “سعيد” بمساعدتي بدأت تضيق الخناق عليهم زي الحبل الملتف حوالين الرقبة. المحامي قدر يثبت بالشهادات والشهود المستندين لأقوالي إن شقة منال الله يرحمها كانت ملك خالص لها بأوراق قديمة من أبوها، وإنهم كانوا غاصبينها ومستغلين ضعفها وحدتها. صدر حظر تصرف على العقار بالكامل لحين البت في قضايا التركة والمؤخر والتعويضات.

جوزي “علاء” اتهد تماماً. الشغل اللي كان حيلته وقف، الديون تراكمت عليه من مصاريف المحامين ونفقات ضرتي اللي رفعت عليه قضايا نفقة وحضانة وبددت اللي حيلته، والناس في المنطقة بدأوا يتكلموا ويشاوروا عليهم بعد ما الفضيحة خرجت لبرة الشارع: “أهو البيت اللي قتلوا بنت الناس فيه بالبطيء ربنا بياخد حقها منهم واحدة واحدة”.

في يوم جلسة المحكمة الحاسمة للتمكين والتعويض، وقفت قدام القاضي. بصيت لعلاء وكان قاعد في قفص الاتهام في قضية تبديد أمانة وحقوق، وشه كان شاحب، شعره شاب في أيام قليلة، وعينيه مفيهاش أي لمعة أمل.

لما القاضي طلب شهادتي، وقفت بكل ثبات وقلت:

* سيادة القاضي.. أنا مش جاية أطلب براءة ولا جاية أدافع عن نفسي. أنا كنت شريكة في الجريمة بالسكوت والمشاركة، والذنب ده أنا عايشة بيه وهييفضل ياكل في قلبي لحد ما أموت. بس منال ماتت لأنهم سلبوا منها كل حاجة: كرامتها، وحقها، وأملها في الحياة. الورق ده بيثبت إن ملكية الشقة وحقوقها المالية كانت متحفظ عليها عندهم بالقوة.

القاضي بص للأوراق، وبص للتقرير الطبي والنفسي اللي قدمناه، وحكم بالتمكين الكامل لورثة منال من الشقة وبإلزام علاء وحماتي بدفع تعويض مالي ضخم ومؤخر الصداق المتبقي، مع حبس علاء في قضية التبديد.

الخبر نزل عليهم زي الصاعقة. علاء اتكلبش أمام عين الجميع ونزل على التخشيبة وهو بيبكي ويستنجد بأمه وأخواته، بس محدش كان قادر يعمل له حاجة.

رجعت للمنطقة بعد الحكم مع سعيد ولجنة التنفيذ عشان نفتح شقة منال المقفولة ونستلمها. كل أهل الشارع كانوا واقفين بيتفرجوا. حماتي كانت قاعدة في البلكونة على الكرسي المتحرك، بتبص بعيون زي الزجاج المكسور، مش قادرة تصرخ ولا تتكلم، والجلطة شالة حركتها تماماً. أخوات جوزي كانوا واقفين ورا الستاير خايفين يخرجوا للناس من كثرة العار.

سعيد حط المفتاح في قفل باب شقة منال، والباب اتفتح بصوت صرير حزين. دخلت الشقة.. الريحة كانت ريحة تراب وذكريات قديمة. مشيت بشويش لحد ما وصلت لأوضتها، ووقفت قدام الشباك الأزرق القديم.

فتحت الشباك لأول مرة من سنين.. الشمس دخلت الأوضة ونورت كل زاوية فيها. بصيت للحوش تحت، وللبلكونة اللي فيها حماتي.. حسيت بنسمة هواء باردة عدت على وشي، كأن روح منال كانت واقفة جنبي وبتتأمل المكان.

سعيد بص لي ودموعه في عينيه وقال:

* الشقة دي هتفضل مقفولة، وهنعملها صدقة جارية على روحها.. حقها رجع بالكامل يا فايزة.

بصيت له وقلت بقلب مكسور:

* حقها في الدنيا رجع يا سعيد.. بس حقي أنا وحق اللي عملناه فيها لسة مكتوب في صحايفنا عند ربنا.. واللي فاضل من الحساب هيدفعه كل واحد فينا للآخر.

سبت الشقة ونزلت، وأنا عارفة إن المواجهة الأخيرة والضربة النهائية لخاتمة الحكاية قربت خلاص.

عدت السنين، والزمن كمل دورته بالعدل اللي مابيرحمش. البيت القديم بقا شبه الخرابة المهجورة، الجدران اتأكلت من الرطوبة، والشباك الأزرق بقى هو الشاهد الوحيد على كل اللي جرى.

علاء خرج من السجن بعد ما قضى عقوبته، بس خرج راجل تاني خالص.. كسرته الأيام، وضهرها انحنى، وشعره شاب بالكامل. ملقاش شغلانة تقبله، ولا صاحب يسأل عنه. رجع للبيت المظلم، مفيش فيه غير أمه المشلولة اللي فقدت النطق تماماً، وأخواته البنات اللي البركة اترفت من حياتهم؛ واحدة طُلقت ورجعت بعيالها، والتانية كبرت ومحدش دق بابها، والضرة أخدت ابنها ومسحت بيهم الأرض في المحاكم وأخدت كل جنيه حيلتهم ونفقت العيل، ومنعتهم حتى يشوفوا وش الصبي اللي كانوا فرحانين بيه وقايمين قاعدين يتفاخروا بيه على جثة منال.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى